كانت امسيات مليئة بالاساطير. نقضي الليل تحت السماء المرصعة باجمل النجوم ولم تكن اضواء المدينة لتحجب عنا لؤلؤ درب التبانة البعيدة ولا تراقُص نجمة القطب في الافق القريب.كانت خيمتنا في زاوية هادئة ساكنة على سفح تل، قبل ان يصبح لنا بيت من لِبن وتراب.
صيفاً في ظلال شجرة الخروب وشتاءاً حول الموقد النفطي كانت الحياة تسير ببطأ. من يوم ليوم ومن اسبوع لاخر ليس فيها من الاثارة إلا روايات الاهل عن البلد واهل البلد، عن البيارات والبيادر، عن عرس دلعونة وانغام اليرغول التي ترددها التلال القريبة، عن اصول جفرا الباكية الحزينة على غياب ظريف الطول.
في قريتنا القريبة من حيفا، في مخيلتي التي ما ارتحلت عنها ابداً، كان قبر جدي حجر الاساس واشارة مرور إلى عمق تاريخي وعائلتي وقريتي وكل فلسطين.
في مخيمنا البعيد عن بلد الشيخ، كانت ذكرى بلدنا لمسة سحرية تحملني من بلاد إلى بلاد وكانت ميناء الامان حينما يستهزأ بنا رفاق الطفولة الاغبياء.
آه يا بلدنا! آه يا قريتي! يا فاصلة واداة وصل بين حاضري وتاريخ الايام والوسادة التي احتمي بها عندما يتعبني كثر الكلام. وحيفا كانت امنا تضمنا الى ثديها، تحتضننا نحن ابنائها دون غيرنا.
كان جدي لابي فلاح بسيط له حقل وبستان وبيت من طابقين من الحجر الابيض. كان يقضي الامسيات في رفقة ابناء العم او على شرفة الطابق الثاني يرتشف الشاي ويلف سيجارة من تبغ عسفيا المجاورة وهو يرقب غروب الشمس على الساحل القريب. كان يحب الدبكة ونداء الناي، يحب الطرب والنساء والخيل الاصيلة. كان يحب الارض ويعشق حيفا. وحيفا كانت تنتظره. تعانق الرجال الذين يرتمون على صدرها مضرجين بالدماء. هكذا مضى جدي معانقاً جبل الكرمل، هكذا كان رحيل الرجال الذين عشقوا ترابها. مضى متأثراً بجراحه في العام 1944. اخذته حيفا وكرمته فوارت جثمانه الثرى على بعد عدة امتار من قبر صديقه الجليل الشيخ القسام.
في عالمي البعيد خمسين عاما عن بلد الشيخ، في عالمي الذي يبعد 7 آلاف كم عن حارتنا الغربية كانت زيارة قبر جدي حلم وضرب من الخيال. لكن ما قيمة الاحلام ان لم تكن حافزاً لتحقيقها؟ وما قيمة الخيال إن لم يكن السبب في تخطي المستحيل؟ ما قيمة احلام الطفولة إن لم الثم الثرى الذي سارت عليه اقدام اجدادي وهم يعقدون السواعد في الدبكة؟ ان لم اعانق الاشجار التي كانت شاهدة عندما راقصت جداتي حنان دلعونة؟
آلاف الاسئلة وصور من عمق الذكريات تطرق رأسي والطائرة محلقة جنوباً فوق البحر. كان الليل قد فسح المجال للسماء القرمزية وولى هاربا نحو الغرب. ليس إلا الليل والسماء الوردية وهدير محركات الطائرة وهي تخفض من ارتفاعها.
في مقعدي المريح كانت صورة امي الطفلة الصغيرة ذات السنوات الثمان لا تفارق مخيلتي وهي تحمل صرة ثقيلة من الملابس على رأسها الصغيرة وقد قبضت باحد كفيها ثوب امها في الطريق الطويل إلى مدينة صور. كانت حكايات الرحيل تمر امام عيني مثل فلم وثائقي قديم تتراكض فيه اللقطات وتقفز الصور. هذا خالي الاصغر وهو يأخذ الصرة عن رأس اخته الصغيرة ويحملهما معا بعد ان تعبت الصغيرة من عناء المسير الشاق. ها هي خالتي تبحث في الجموع الممتدة حتى افق السماء عن اهلها في شوارع صفورية. هذه جدتي وهذه زوجتي ابنها وهناك من بين الجموع يترائ لي انني ارى عمي امي يحمل اليهم الخبر السيء بان الهاغانا تمكنت من اعتقال خالي بعد بحث طويل.
كانت الصور تمر مسرعة امام عيني والسيارة تشق طريقها من يافا نحو الجليل. تشق طريق العودة الى الجذور، إلى ينبوع احلام الطفولة الى عمق التاريخ. كانت حقيبتي مليئة باحلام امي وذكريات طفولة مليئة بحسرة جدي الاخر الذي قتله الشوق والحنين. كان قلبي مليء بالفرح والخوف والالم.
عندما اراد صديقي ورفيق كفاحي ان يقول شيئاً كانت مداخن مصفاة النفط في سهول بلد الشيخ تبدو وراء التلال القريبة وفي الافق رائحة الكروم.
-تلك هي حيفا وهذا هو الكرمل.
لم تكن هناك حاجة للكلام. لقد مررت بهذه الطريق مئات المرات في ليالي غربتي الطويلة. اعرف كل شجرة وكل حجر، كل بستان وكل منعطف على هذه الطريق. حتى الغيوم يمكن ان تكون هي ذاتها التي سقت ارض بلدنا قبل يوم الرحيل الاخير. انها الرحلة السحرية ذاتها التي عشتها مرات ومرات في ذاكرتي وفي مخيلتي. رأيت هذه البيوت الحجرية وتلك الابواب المشتاقة وانا اعبر الطريق في حكايات جدتي.
لازالت اشجار التين على حافتي الطريق تروي حكايات الفرح. كانت رائحة الليمون والبيادر تحمل ذكريات امي والتلال الخضراء تزهو بطفولة ابي. وانا هنا تقودني خطواتي الى ينبوع تاريخي. تلامس شفاهي اثارايادي اجدادي المحفورة على الجدران. هذا انا اعود بعد خمسين عاما كي اعانق جدران بيتي واشرب الماء من نهر المقطع.
اسير واخاف ان ترمش عيني كيلا تفوتني صورة لطفلة كانت قبل خمسين عاما تلهو مع الاطفال في باحة الدار. كيلا تضيع عن مخيلتي صورة جدتي وهي تحضر خبز الطابون.
ضاعت الحدود بين الحقيقة والخيال، بين ما اراه واشعر به وبين ما يمر بخاطري من حكايا وروايات. لم اعد افرق بلدنا عن مستعمرة نيشر، لم تعد تلوح في الافق حدود نيشر ولا حواسة. تعانقت البيوت وقبلت شفاه التلال. اين بيت جدي، اين البيت الذي اطلقت فيه امي اول صرخة وهي تصعد قطار الحياة؟
نسير في الشارع الرئيسي. من فوق التلال تراقبنا المبائي الحديثة. تنظر الينا بوقاحة. تنظر الينا العيون العابرة بشك وحذر. كدت اصرخ بهم، انني الان في بيتي، اغوص في نبع ذكريتي اعود الى مقام جدنا الاكبر الشيخ الجليل.
عانقت الشمس سقف السماء، ومن البعيد تهب الينا رائحة البحر لتداعب شقائق النعمان.
كنا نسير في الحارات الضيقة بين البيوت التي كأنما انحنت اشجارها لتعانق العائد الحزين.
نظرت الينا عجوز من خلف نظاراتها الغليظة، رفعت جسدها الثقيل عن الكرسي واتجهت نحونا مبتسمة. "انها بادرة طيبة" قلت لصديقي الذي احنى رأسه لها بالتحية.
-انت غريب – قالت تتأملني وهي تعدل موقع النظاره على انفها.
-انا؟ - ضحكت بمرارة – لا يا سيدتي، لست غريبا، ابحث عن المسجد و بقايا المقبرة القديمة.
كان ثوبها الزهري يتناسب مع الوان الحديقة الجميلة، التي كساها الورد الجوري وازهار الليمون. نظرتُ من خلف السور الى البيت الحجري ذي الطابقين. هل هذا هو بيت جدي؟ كان بيت جدي من طابقين وفي الحديقة شجرة ليمون. هل يا ترى ان وقفت على الشرفة ارى البحر؟؟
-وماذا تريد من المسجد والمقبرة؟
-قرب المسجد كان بيت جدي وفي المقبرة بقايا اجدادي.
فتحَتْ باب الحديقة ودعتنا لتناول فنجان قهوة. سرنا ورائها بين اشجار الليمون والخروب الى ان وقفنا امام البيت الحجري الابيض، وفوق بابه لوحة رخامية مكتوب عليها "الملك لله – 1923"
جلسنا في الحديقة ورائحة صنوبر الكرمل تهب علينا مع نسيم البحر.
-عندما تهدأ الحركة في الليل يمكننا ان نسمع هدير البحر – قالت وهي تقدم فنجان القهوة – ومن الشرفة ...
-يمكن رؤية ميناء حيفا والفينري – اتممت مقاطعا.
ابتسمت باعجاب وخطرت ببالي صورة جدي وهو يجلس على الشرفة يحتسي الشاي ويروي لابي قصص الجن والعفاريت.
كانت كل الحكايات اقرب ما تكون الى الحقيقة. كانت الاحداث تجري هنا، في الطريق الى الطيرة، في وادي الطبل، في الطريق الى دالية الكرمل وعسفيا، في المغارات القريبة من المكاسر. كنت اعرف كل هذه الحكايات. اعرف كل واد وكل مغارة، اعرف اين يسكن اقزام الجن اللطيفين واين كانت تسكن الغولية الشريرة التي اخافت كل سكان القرى المجاورة. كنت اعرف كل حجر من قصص اجدادي كل شجرة وكل بيت ولكن ايهم بيت جدي؟
تحت دالية العنب روت العجوز وهي تصب لي فنجان القهوة الرابع كيف فقدت اهلها في المعسكرات النازية. تحدثت عن الحماقات التي قامت بها الحركة الصهيونية وحاولت تبريرها. روت حكايات الحرب ومآسيها.
تحدثت طويلا عما حدث في العام 1948. اما في مخيلتي فكانت صورة ابناء القرية باسلحتهم البسيطة يصدون هجمات عصابات الهاغانا المتواصلة منذ ثلاثة ايام وجيش الانقاذ متخندق على بعد 5 كم لم يحرك ساكنا. كنت ارى خالي الاكبر يحمل عصمليته ويركض من بيت الى بيت ليواجه مع ابناء عمومته تقدم العصابات من ناحية المقبرة.
كانت الشمس تنحني نحو البحر والعجوز تمسك بساعدي ونحن نسير في الشارع تروي ذكرياتها عن كل بيت نمر به وتحكي قصة كل شجرة. سرنا في الحي القديم لما يسمونه اليوم تل حنانا الى ان وصلنا الى كوم من الاحجار قرب حانة.
-هنا كان جامع البلد – قالت – ولا يزال هنا قبر قديم تدور حوله الاساطير، ولم يجرؤ احد على المساس به.
انه قبر جدنا الاكبر! الذي عاش في هذه الارض قبل ما يقارب 500 عام. فهو الذي فتح ابواب بيته واطعم المحتاجين. وحمل طهره بعيدا عن العالم ليقيم زاوية قرب احد الكهوف على سفوح الكرمل حيث بقايا المسجد الان، هو المعتزل الذي ابتعد عن الجميع ليتعبد الى الخالق على هضاب الكرمل.
-لقد حاولوا ازالة هذا القبر عدة مرات – استأنفت العجوز حديثها- ولكن في كل مرة كان يحدث شيء يمنع ازالته. مرة اصابت العامل نوبة قلبية، اكثر من مرة تعطلت الجرافة. هدموا المسجد كله ولكنهم لم يستطيعوا ازالة هذا القبر.
اقتربت مما يشبه غرفة ترابية معتمة يدخلها ضوء خفيف من فتحة صغيرة في الجدار. انتظرت قليلا حتى اعتادت عيناي على الرؤية. شعرت بقشعريرة تجري في جسدي ورغبة عارمة في البكاء. ها انا ذا اقف امام قبر جدي الاول. انا اول من يزور قبره منذ خمسين عاما. اتيت اليه اقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة. اتيت حاملا اليه اخبار احفاده. فاذا بي ارى قبر جدي الشيخ الجليل المعتزل المتصوف مدفونا بين النفايات ورائحة البول تكاد تخنق من يجرأ على الدخول. ترقرقت الدموع من عيني وانا ارى ما آل اليه حال مقام جدنا. بدون وعي اخذت ارمي النفايات بغضب الى خارج المقام. لم اعد اعرف ماذا اقول وكيف اتصرف. لم اعر انتباها الى ملابسي الانيقة ولا الى ربطة العنق، حتى بدى قبري جدي شامخا وسط المقام. رفعت كفي الى السماء. قرأت الفاتحة دعوت له بالرحمة وسألته العفو عما اسأنا به اليه. ركعت امام القبر، ضممت رأسي الى الشاهدة فشعرت بالقشعريرة مرة ثانية تجري في جسدي، شعرت بيد تلمس شعري، وهدوء غريب يحتل داخلي. كأنني سمعت صوتا حنونا يقول لي: لا تقلق علي يا ولدي.
-عندما خرجت من المقام كانت الشمس قد غابت ومن الحانة تنطلق موسيقا لا تذكر ببكاء جفرا ولا بحنان دلعونة. موسيقا ليس لها اية علاقة بظريف الطول او عتابا. آه يا جدي من حكم عليك بان يعذبوا روحك الطاهرة بهذه الموسيقا الغريبة؟
رقدت في السرير واطفأت الاضواء كي ارى بحر حيفا تتراقص على امواجه مئات الاضواء في سينفونية الخلود. شعرت بيد باردة تمس عنقي. قفزت من مكاني والقشعريرة لا تزال تسري في جسدي. فرأيته واقفا بيني وبين النافذة وخلفه تتلألأ اضواء حيفا. كان يرتدي ديماية كتلك التي تذكرني بجدي. وعلى رأسه عمامة بيضاء. تأملت وجهه فرأيت شاربيه البيضاوين ولحيته الطويلة وعينينه الصغيرتين تحت حاجبيه الكثين. لم يقترب مني. بقي واقفا مبتسما في مكانه على بعد خطوتين مني.
-انا اعرفك – قلت بصوت مرتج فيه بعض الخوف.
-لقد زرتك في المنام مرات عديدة – قال بصوت رخيم.
حينها تذكر كل احلامي منذ طفولتي حتى اليوم. حينها ادركت انني لم اكن وحيدا ابدا. ادركت انه كان معي دوما. كان يحضنني ويمسد رأسي ويهمس في اذني ويشير على ماذا افعل.
-احضرت لك بعض التين من بيت جدك – قال مبستما ووضعها على الطاولة قربي.
لم اعر انتباها للهدية بل عاودت تأمل وجهه مندهشا. احاول ان اجد تحليلا منطقيا لما ارى. هذا جدنا الاكبر الذي توفي قبل خمس مئة عام يقف امامي. هذا هو الشخص الذي كنت اراه في المنام، ولا اعرفه. انا الان في بلدنا اقف امامه وجها لوجه.
-منذ خمسين عاما وانا انتظر ان يأتي احدكم ويضع ضمة آس على قبري – قال وقد على الحزن وجهه – والان اتيت انت. كنت اعرف انك ستأتي.
-ولكن يا جدي ... انا احلم الان. أعرف انني في حلم وعندما استقيظ غدا سأنسى كل شيء كالعادة...
-انا انتظركم يا بني، انتظر عودتكم، كما ينتظركم تين الارض وقبور كل الاجداد.
شعرت برائحة المسك تغمر غرفتي، نسيت القشعريرة التي كانت تسري بجسدي. شعرت بهدوء غير عادي يغمرني. رقدت الى سريري واغمضت عيني. شعرت به يغطيني.
لم تمض ثوان حتى قفزت من سريري وقلبي يدق بسرعة. اردت ان اسأله عن شيئ قبل ان يمضي. غير ان ضوء الشمس غمر الغرفة. نظرت حولي فوجدت نفسي في غرفة نومي سبعة الاف كم بعيدا عن حيفا، تحيط بي رفوف كتبي وصور احبائي على الجدران.
نظرت الى الطاولة قرب سريري فوجدت عدة حبات تين. هل كنت احلم؟؟ هل فعلا كنت في بلد الشيخ وزرت قبر جدي؟ هل زارني جدي هنا وترك عندي وصيته؟؟ أه يا جدي لو تدري كم اصبحت وحيدا، كم اشعر الان بالغربة. آه يا جدي الذي يرافقني منذ اربعين عاما. كم اشتاق اليك.